السيد محمد حسين فضل الله
12
من وحي القرآن
بسياقها من إظهار المقدرة والكرامة معنى ، ولا لذاك الإنكار الشديد الذي أظهرته قريش عندما قصّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم لهم القصة وجه ، ولا لما أخبرهم به من حوادث الطريق مفهوم معقول . بل ذلك - إن كان - بعروجه صلى اللّه عليه وآله وسلّم بروحه الشريفة إلى ما وراء هذا العالم المادي مما يسكنه الملائكة المكرمون ، وينتهي إليه الأعمال ويصدر منه الأقدار ، ورأى عند ذلك من آيات ربه الكبرى ، وتمثلت له حقائق الأشياء ونتائج الأعمال ، وشاهد أرواح الأنبياء العظام وفاوضهم ، ولقي الملائكة الكرام وسامرهم ، ورأى من الآيات الإلهية ما لا يوصف إلا بالأمثال كالعرش والحجب والسرادقات . والقوم لذهابهم إلى أصالة الوجود المادي ، وقصر الوجود غير المادي فيه تعالى ، لما وجودا الكتاب والسنة يصفان أمورا غير محسوسة بتمثيلها في خواص الأجسام المحسوسة ، كالملائكة الكرام ، والعرش ، والكرسي ، واللوح ، والقلم ، والحجب ، والسرادقات . . . حملوا ذلك على كونها أجساما مادية لا يتعلق بها الحس ولا يجري فيها أحكام المادة ، وحملوا ، أيضا ، ما ورد من التمثيلات في مقام الصالحين ، ومعارج القرب ، وبواطن صور المعاصي ، ونتائج الأعمال ، وما يناظر ذلك . . . إلى نوع من التشبيه والاستعارة ، فوقعوا في ورطة السفسطة بتغليط الحس وإثبات الروابط الخرافيّة بين الأعمال ونتائجها وغير ذلك من المحاذير » « 1 » . هذا ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي وصدر المتألهين الشيرازي . ونحن نرى في هذا التفسير لمسألة العروج ، لونا من ألوان التفسير الغيبي الذي يلتقي فيه العروج بالروح في غرابته للمألوف ، بالإسراء بالجسد في ذلك ؛ مما يجعل من المسألة مسألة تأويل للفكرة ، لا مسألة توضيح وجدانيّ لها .
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 13 ، ص : 32 .